عاجل اخبار الوحش الهواري

 

 

 

1332032520.jpg

 h.chail

انتشرت في الفترة الأخيرة أخبار عديدة حول مخلوقات أسطورية تنتمي إلى زمن ماقبل الكمبري وأسهب المجتمع الهواري وكالعادة في وصفها تارة وتبجيلها خوفا تارة أخرى ونسب إليها فضائل سحرية من عالم الخيال وأخرى أسطورية من عوالم الميتافيزيقيا فأصبحنا أمام مشاهد هوليودية لأفلام الرعب حيث أكدت هذه الواقعة أن خيال المجتمع الهواري يفوق بكثير خيال جيمس كامرون وفرانسيس فورد كوبولا وألفريد هيتشكوك وغيرهم من المخرجين العباقرة الذين إذا أسند إليهم إخراج هذه القصة التي تجري أحداثها في هوارة حاليا لما تفوقوا على خيال الهواريين الخصب الذي فاق صراحة كل التوقعات وكل المقاييس المعمول بها في عالم الخيال،  وانتشرت شائعة ظهور هذه الكائنات الغريبة ليس في المناطق الحضرية فقط بل في القرى القصية حيث اتسع حضورها في المجالس والأحاديث العائلية بصفتها مادة دسمة أطلقت العنان لمكبوتات العقل الباطن في نوع من الهروب إلى الأمام وذلك بنسج سلسلة أحداث من الفانتازيا هذه الظاهرة التي طبعت المجتمعات العربية منذ عصور سحيقة وتعتبر من الثرات العربي بما ألفت من قصص الغيلان وحوريات البحر وممالك الجن والشياطين والوحوش المتعددة الرؤوس في روايات الأزلية والعنترية وألف ليلة وليلة.

 

يعني أن الخيال العربي خصب وأنتج كل هذه الأحداث الخرافية لعوامل تاريخية وأخرى نفسية تتجسد في الهروب من الواقع وصنع عوالم أخرى تكون فيها السيادة للحرية والعدالة والقيم والأخلاق الانسانية الرفيعة بعد أن انتشر الظلم والطغيان والاستبداد في الواقع ، إذن هذه الروايات الأسطورية هي نوع من الهروب بالذات إلى عوالم أخرى لتخليصها من اليأس والاحباط والمآسي وهو في واقع الحال هروب علاجي أو هروب سيكولوجي للبحث عن الحرية والخلاص في أماكن أخرى بعيدة عن العالم المرئي ، ومن زاوية أخرى نرى أن دخول تلك العوالم يحاول خلق مجتمعات مثالية يكون فيها الخير هو السائد بعد انتصاره على الشر وأعوانه ، ولعل خير دليل في العصر الحديث وخير مثال يقتدى به ،السينما الهندية التي خلقت عوالم فانتازيا ورفعت جمهورها من البؤساء والمدحوضين إلى مستويات خيالية للترويح عن النفوس وإخراجها من واقع أليم يسوده الفقر وتتفاعل فيه طبقات اجتماعية مختلفة تتعدى المليار نسمة ، فيكون البطل دائما هو ملاك الرحمة الذي يخلص الناس من ظلم الجبابرة ، وهكذا يبدو لنا أن لكل فن أهله ورواده وعشاقه وخصوصيته ، وخصوصية المجتمع المغربي عموما والمجتمع الهواري خصوصا هي نسج الأساطير والروايات الخارقة من قبيل ظهور عايشة قنديشة وبغلة الروضة التي تنعت في المخيلة الشعبية بأنها امرأة غير صالحة كانت تخون زوجها ولما مات لم تكمل حدادها عليه وفقا للضوابط الشرعية فكان نتيجة ذلك أن مسخها الله لتكون عبرة لمن يعتبر.

 

ربما تزاحمت وتنافست الحكايات الخيالية فيما بينها لكن ماهو مؤكد أن حكاية وحش هوارة ذو المظهر البشع والأسنان الحادة والشعر الكثيف والسرعة الضوئية الخارقة قد جعلت العقل الهواري يتوقف لبرهة من الزمن لأن مايقع شيء فوق طاقته وتعددت الآراء وكثرت النظريات حول هذا الوحش وذلك من جانبين الجانب الأول يتعلق بالتسمية والجانب الآخر يتعلق بالناحية النفسية التي زعزعت استقرار النفوس خوفا وهلعا،وأسئلة كثيرة تطرح وإجابات قد يصيب بعضها ويخطئ البعض الآخر ولكنها محاولات من الإنسان الهواري لفهم الظاهرة وأبعادها وتداعياتها على المجتمع وأيضا معرفة أفضل الطرق للتعامل إذا وجد الإنسان نفسه أمام الوحش مباشرة ،إن ملاحظات الإنسان الأول لما يجري حوله من تغييرات في الطبيعة هي أولى محاولاته في كيفية استخدام العقل والتفكير وكانت الطبيعة من حوله العامل الأهم في معظم اكتشافاته لكن عالم ما وراء الطبيعة ظل حاضرا حيث اعتقد به وخلق لنفسه طقوسا روحية يتقرب بها إلى العالم السفلي وذلك لتجنب غضبه فصنع آلهة قدسها وعبدها كما اكتشف أساليب متنوعة للحوار مع العوالم الغيبية ،ومنم من سمى هذا الوحش بالعضاد ومصاص الدماء والمستذئب والهيشة والخراجة والمسيح الدجال وثناترت حكايات هنا وهناك بأنه يأكل الفتيات

ويتربص بحراس الضيعات الفلاحية ليلا حتى أن معظمهم قام بتسليح نفسه ببنادق خاصة للقضاء على الوحش المزعوم. وهناك حكايات أخرى تروي بأنه يصطاد الضحايا في الحمامات الشعبية وخصوصا في أوقات الصباح الباكر ولم تقتصر تلك القصص على وحش واحد فقط بل على وحوش عديدة من نفس جنسه وهو ما نشر الرعب في النفوس وحالة تأهب قصوى عند المواطنين لمواجهة الوحش الحتمية بل الأكثر من ذلك ادعى العديد من الفلاحين أن أغنامهم وأبقارهم أكلت من طرف الوحش فسادت الاضطرابات النفسية في صفوف العامة وتناقلت هذه الأخبار بعض التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك مما زاد الأمر تعقيدا وأصبح أقرب للتصديق.

 

ومن الطرائف في نازلة ظهور الوحش في هوارة هناك من ادعى أنه الكونت دراكولا نفسه نهض من قبره في رومانيا لينتقم ، وهناك من أرجع ذلك إلى الحيوانات المفترسة في غابات هوارة وأحراشها ، نظرا للجفاف بدأت هذه الحيوانات تهجم ليلا على قطعان الخرفان وإذا صادفت بشريا في طريقها فإنها تقطعه إربا وتمزقه بأسنانها وهذه الحيوانات تكون غالبا من فصيلة الذئاب والثعالب والطالب علي ،وهناك رواية أخرى تبدو أقرب إلى الواقعية حيث أن أولئك الذين يستغلون الغابات وهم لوبيات خفية ، يستغلونها في قطع الأشجار لصناعة الفحم وأغراض أخرى تناهى إلى مسمعهم أن الحكومة الجديدة تنوي وضع قوانين وإجراءات صارمة لاستغلال المياه والغابات أطلقوا إشاعة الوحش وذلك لتخويف الرعاة وخاصة رعاة الجمال قصد العمل في ظروف مثالية واستغلال خيرات الغابة دون تشويش، وبالفعل لقد نجحوا في ذلك إلى أبعد الحدود حيث فر الرعاة من الغابات خوفا من الوحش.

ومن الروايات المثيرة أن هذه الإشاعة ورائها أهداف سياسية ، يشاع أن أحد السياسيين البارزين في المنطقة ونائب في البرلمان الحالي هو من أطلق تلك الإشاعة كنوع من غسيل الدماغ للمجتمع الهواري المهيأ أصلا لتقبل مثل هذه الترهات ، نوع من غسيل الدماغ ليكون صفحة بيضاء قبل الانتخابات الجماعية لزرع إشاعات أخرى سياسية قصد ضرب الخصوم وخصوصا أن معركة الانتخابات المحلية ستكون شرسة في هوارة .

وهناك حكاية أخرى لاتقل غرابة وهو أن المبيدات الحشرية والأدوية الفلاحية والأسمدة التي تستورد معظمها من إسرائيل تحمل فيروسا قاتلا قام بتحويل بعض العمال الذين يعالجون المنتوجات الفلاحية إلى وحوش ضارية إثر تحول جيني وقع في الخلايا كما يحدث في الأفلام وقد تسبب كذلك في تحول بعض الحيوانات كالخنزير 'الحلوف' الذي تشتهر عدة ضيعات في هوارة بتربيته، لكن أغرب ماسمعت في قضية الوحش أنه صنيعة البوليزاريو وأطروحتهم الانفصالية التي أوشكت على الزوال ، فالمجتمع الدولي اليوم يدعم وبقوة سياسة الحكم الذاتي التي ستضع لا محالة حدا نهائيا لمشكل الصحراء ، وهكذا فإن البوليزاريو صنع هذه الخراجة أو الوحش وهي رجل آلي مكسو بلحوم بشرية وذلك لزعزعة الاستقرار في الأقاليم الصحراوية إلا أن الأقدار شاءت أن يهرب الوحش من مخيمات الحمادة قبل برمجته وحط الرحال في هوارة ،وهذه هي أبرز الفرضيات التي تحيط بالوحش وبوجوده .

 

وفي إطار هذه القضية الخرافية لابد من التأكيد على مايلي: 

أولا:  لقد أصاب الأغلبية في المجتمع الهواري هوس وأطلقوا العنان لخيالهم الخصب لاختلاق الأحداث ،وخصوصا أننا نتناول قضية خيالية من عالم الفانتازيا في شمولها وعمومياتها من الناحيتين الثقافية والاجتماعية وما تثيره من قضايا فكرية تجسد بوضوح بنية العقل الهواري القائمة على الخرافة وهو مايخلق مستقبلا تداعيات خطيرة ثقافية وحضارية .

ثانيا : في ظل ما أثارته قصة وحش هوارة من صخب يتبين أن ميولات الإنسان الهواري تسير دائما في اتجاه تصديق الإشاعات بل والترويج لها لتحتل مكانها في المجتمع .

ثالثا : إن شجى الهم الاجتماعي والضغط النفسي وكل أنواع المعاناة البشرية تجعل الإنسان فريسة لصنيعة الآخرين وما يطلقونه من وحوش ومخلوقات فضائية محاولين إضفاء طابع الواقعية على تلك المخلوقات الأسطورية لأجل غايات سوسيولوجية وسياسية ، وهذا ما أسميه الإرهاب الأعمى، لأنه إرهاب نفسي أشد فتكا من الإرهاب التقليدي يقع الإنسان ضحية لهلأنه في الأساس مهيأ للاعتقاد والإيمان بالظواهر الخارقة،

ورابعا : يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ...