الاسطورة الهوارية

 

 

 

 

هشام شايل

 

asharqeye1-647115-1.jpgتتميز الفنون الشعبية في المغرب بالتنوع، وتتجلى في اللهجات المختلفة والإيقاعات والتعبيرات الجسدية والموسيقية المتعددة. ويرى الباحث جميل حمداوي، في بحث له، تحت عنوان «مدخل إلى الرقص الأمازيغي المغربي» أن المغرب غني بالرقصات الفلكلورية الشعبية، لا سيما الأمازيغية منها، التي ارتبطت بالأشعار والألحان، والتي يشارك فيها الرجل إلى جانب المرأة، بطريقة فردية أو ثنائية أو جماعية، وتقترن بالأعياد والحفلات والأعراس ومواسم الفلاحة.

حمداوي لاحظ أن الرقص الأمازيغي غالبا ما يتخذ طابعا جماعيا، له أشكال هندسية متقاطعة أو متقابلة أو متوازية أو دائرية أو أنصاف دوائر. ويقول: هذا الرقص على أنواع، بينها «أحواش» و«الركبة» و«أحيدوس». ويرى أن الفنون الشعبية المغربية «شهادة للوحدة في التنوع، من خلال تقديم ثقافة تتشكل من ثلاثة مكونات أساسية، عربية وأمازيغية وأفريقية، تعتني بالموروث المتوسطي والآثار الأندلسية، بينما تنفتح على الثقافات الأخرى، من دون أن تفقد أصالتها».

بين الفرق الشعبية التي ذاع صيتها، داخل المغرب وخارجه، فرقة «ميزان هوارة»، التي تنحدر من منطقة هوارة، بمنطقة سوس في جنوب المغرب. و«ميزان هوارة» مزيج فني يقوم على الجمع بين الرقص والغناء، عاكسة الحياة اليومية لجزء من سكان منطقة سوس، ومترجما ارتباطا جميلا بالأرض وتاريخ المنطقة. وتكمن قيمة «ميزان هوارة» وشهرتها في أداء رقصة لها حمولة تاريخية وميثولوجية، تسمى «رقصة الأفعى».

عباس فوراق، الباحث في الفنون الشعبية المغربية، يشرح «إن رقصة الأفعى، أو ميزان هوارة، عبارة عن أسطورة تحكي قصة قبيلة هوارة مع أفعى احتلت الطريق الوحيد الذي يربط القبيلة بالعالم. وبعد طول صبر ومعاناة، انتدبت القبيلة ثلاثة شبان ليحلّوا المشكل بقتل الأفعى، التي ستقتل اثنين وستغرم بالثالث». وأشار فوراق إلى أن قبيلة هوارة «قبيلة عربية هلالية دخلت المغرب خلال القرن الحادي عشر وسكنت في سوس، كما تم توطين قبائل أخرى في منطقة الأطلس وغيرها، في إطار ما قام به عبد المومن بن علي الكومي الموحدي، عندما وزّع القبائل العربية داخل كيانات النسيج البربري الأمازيغي المغربي لخلق توازن بين الأعراق والأجناس من جهة، ولدواعٍ أمنية، من جهة ثانية». وأضاف فوراق أن «المرأة داخل قبيلة هوارة كانت تحظى بحضور لافت في الحياة اليومية، بعكس عدد من القبائل، ولذا تحضر في الرقصة بشكل مثير وأساسي، بل هي بطلة الرقصة ومن يتحكم في مجرياتها»، مشيرا إلى أن «فاطمة الكحولي، الملقبة بفاطمة الشلحة، هي اليوم من رموز ميزان هوارة، وقد جالت العالم معرّفة بالرقصة، حتى أنها أمضت سنتين في الولايات المتحدة، ودفعت بابنتها لكي تتعلم هذه الرقصة».

بخصوص مكوّنات رقصة الأفعى، تحدث فوراق عن ثلاثة مكونات، هي: «الكولويغرافيا (الرقص)، والإيقاع الهوّاري الصميم، والكورال أو الكلام المغنّى». ويرى فوراق أن «الرقصة ذات بعد ميثولوجي (أي أسطوري) وهي من الرقصات القليلة التي تقود فيها المرأة الرقص».

ومن جهتها، تتحدث فاطمة الكحولي لـ«الشرق الأوسط»، عن بداية مشوارها الفني، الذي انطلق قبل أكثر من 35 سنة، مع الفنان اسعيد أشتوك، ثم مع اسعيد الحرش، بعد ذلك. وهذا قبل أن تؤسس، في بداية الثمانينات، فرقة ميزان هوارة، التي أكدت بها حضورها وطنيا ودوليا، من خلال تقديم عروض فنية قادتها إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وفرنسا والبرتغال وعدد من الدول العربية.

وتشير الكحولي إلى أنها حاولت أن تضيف وتطوّر في شكل رقصة الأفعى، من خلال إدخال فقرة «الخطفة»، مثلا. كما تحدثت عن علاقتها بالفن، مشددة على أن «الفنون الشعبية تستحق منا أن نتعاطى معها بحب»، مشيرة إلى أن اختيارها مجال الفن ضَمن لها شهرة تعدّت حدود المغرب، حيث أمضت في أميركا سنتين، قدمت خلالهما، مع فرق مغربية أخرى، عروضا فنية شعبية في مجمع «عالم والت ديزني» نالت استحسان وإعجاب الأميركيين، وأكدت أنه كان من المفروض أن تقضي هناك ست سنوات، لولا مرض أبيها الذي دفعها إلى العودة إلى المغرب.

وبعدما صارت للفنون أهمية واهتمام متزايد بعد المهرجانات الكثيرة التي باتت تنظم في المغرب، والدعوات التي توجه لفنانيها للمشاركة في مهرجانات داخل وخارج المغرب، حرصت الكحولي على أن تنقل فن رقصة الأفعى إلى ابنتها سارة، التي ترافقها الآن في المهرجانات التي تشارك فيها.

وحول الخصوصيات المرتبطة بأداء رقصة الأفعى، تؤكد أن الفن المغربي «يحمل مضمونا حضاريا يؤرّخ لحياة المغاربة ويلخصها في حقب تاريخية مختلفة، وتتمثّل أصالة ميزان هوارة كذلك في اشتراكها، مع سائر الفرق الشعبية المغربية، في المحافظة على ارتداء الزي التقليدي، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة. وهذا عامل مهم، إضافة إلى معطيات أخرى، تبرز تنوعا ثقافيا لا تخطئه عين المتفرج، من دون الحاجة للحديث عن الإيقاعات التي تعبّر، هي الأخرى، عن هذه الوحدة في التنوع التي تميز المنتج الثقافي المغربي بشكل عام».

بقيت الإشارة إلى أن فرقة ميزان هوارة تتشكّل من 15 فردا، تتوسطهم فاطمة الكحولي، التي تؤدي دور الأفعى التي يشاركها الأداء «العيساوي»، بغية قتلها وتخليص القبيلة من شرّها، قبل أن تنتهي الرقصة، بعد طول صراع، بلا غالب ولا مغلوب، أو - كما قال فوراق - بوقوع الأفعى في غرام أحد الشبان الثلاثة الذين انتدبتهم القبيلة لقتل الأفعى وفك الحصار الذي ضربته على القبيلة.

×