العنف


H.CHAIL

hhh-1.jpg



العنف



لا يكابد الإنسانُ العنفَ الواقع عليه أو على الآخرين فحسب، بل يختبر أنه هو نفسه قادر على ممارسة العنف في حقِّ الآخرين. فالإنسان، إذ يتروَّى، يتكشَّف لنفسه عنيفًا. إن اختبار الإنسان لضعفه وهشاشته ومحدوديته يجعله ميالاً لأن يكون عنيفًا بالإنسان الآخر. ولأن الإنسان، في قرارة نفسه، يعي أنه فانٍ، لا يلبث أن يصير قاتلاً. إن الخوف من الموت، الملازم لرغبة الخلود، ينمِّي في الإنسان إرادةَ القتل. ولأن الفرد يشعر في كلِّ لحظة أنه مهدَّد في وجوده، فهو غالبًا ما تسوِّل له نفسُه أن يعنَفَ بالآخرين؛ إذ يتوهم موتَ الإنسان الآخر ضمانةً لبقائه هو.

"العنف جزء لا يتجزأ من الحياة" – هذا ما درج القولُ به على سبيل التبرير. قطعًا، في معزل عن الحياة ليس هناك من عنف! فالإنسان كائن هوائي بقدر ما هو كائن عقلاني؛ والإنسان الخاضع لهواه إنسان عنيف: ففي كلِّ لحظة، يمكن له أن يغذي مشاعرَ لاإنسانية قوية تؤهِّبه لتجريح إنسانية الإنسان الآخر. لذا يجب عليه، للسيطرة على عنفه، أن يتعلم كيف يصبح عاقلاً، أي قادرًا على التعقُّل. إذا كان العنف يستقي مصدره من صنيع الحياة، فإن صنيع العنف هو الموت. إن طاقة العنف، حالما يتم قبولُها وتطويعها وتصريفها وتقنينها والسيطرة عليها وإزاحتها وتحويلها وتصعيدها، هي التي تُعبِّر عن الحركة البنَّاءة للحياة، وليس العنف المتفجر، الهمجي، القاسي. فهذا الأخير ليس في الواقع سوى انحراف للعدوانية. إن العدوانية تتيح تأكيد الذات في المجابهة مع الآخر؛ أما العنف فيؤدي إلى نفي الآخر، وفي الوقت نفسه، إلى تعريض حياة المعنِّف للخطر. وفي المحصلة، في الأصل من هذا العنف الأهوج، لا توجد الحياة، بل الاغتصاب، اغتصاب الحياة، الموت.

كل "عنف" violence يمارَس على الإنسان إنما هو "اغتصاب" viol: اغتصاب لهويته، لشخصيته، لحقوقه، لكرامته، لإنسانيته. العمل العنيف هو، بأدق المعاني، فعل "غَصْب". إن صورة كائن إنساني مشوَّه الوجه بإرادة إنسان آخر تُظهِر فظاعةَ العنف: فالعنف هو تشويه لوجه الإنسان. ويمثِّل هذا التشويهُ مأساة الإنسانية، إذْ يجرِّد الوجودَ من المعنى ويحطِّم الرجاء. العنف يبعث على اليأس حقًّا! إن مأساوية الوجود ليست في كون الإنسان فانيًا، بل في إمكانه أن يكون قاتلاً.

العنف، بوصفه اغتصابًا، هو انتهاك للقانون: لا القانون المكتوب، بل القانونُ الأساسي غير المكتوب الذي يُحرِّم القتلَ ليفسح في المجال للُّغة وللحياة المشتركة. العنف، بوصفه اغتصابًا، هو انتهاك هذا التحريم الأساسي: فبهذا الانتهاك، يدمِّر العنفُ الرابطةَ الاجتماعية ويجعل الحياةَ جماعةً متعذرة.

العنف نفاد صبر: هو تهوُّر وفظاظة. إنه لا يقترن مع إيقاعات الزمانية، لا يحترم حركاتِ الزمن. وهو، إذ لا يتعرف إلى العناصر المكوِّنة للزمن، يفجِّر الرابطة التي تجمع بين الماضي والمستقبل. إنه يستعجل الحاضر، وينكِّل به، لأنه يتأبَّى على التأجيل. وبذلك ما من تطور ممكن بتاتًا. إنه لا يفسح للنضوج وقتًا، وفي اختصار، "يحرق المراحل". والواقع، إذ لا يعود قادرًا على الانبساط في الزمانية، ينتفي.

في مرأى من الفطنة prudence التي تؤسِّس الحكمةَ العملية للإنسان العاقل، يَظهر العنفُ بوصفه تهورًا im-prudence، أي عدم تبصُّر للعواقب التي يستجرُّها العنف بالضرورة. فالنية العاقلة التي قد تكمن في أصل العنف تنزع إلى الاختفاء بفعل أثر دوَّامته. آلية العنف عمياء بفعل همجيَّتها، وتكاد أن تقود دومًا الذين يعملون بدافع العنف إلى الذهاب أبعد مما هو ضروري في مرأى من العقلانية التي قرروا بمقتضاها استعمال العنف. فالعنف يتصف بأنه يحتل الفضاء الذي يعمل فيه بكامله، فيضرُّ عند ذاك بكلِّ ما هو موجود في هذا الفضاء؛ ومن الوهم الظن بأنه لن يلغي إلا الشر وحسب.

من الضروري التعريف بالعنف بحيث لا يجوز القول إن هناك "عنفًا حسنًا". فمادمنا ندَّعي التمييز بين عنف "حسن" وعنف "سيء"، لا يعود في إمكاننا تعيين العنف ونقع في الالتباس – وبالأخص حين ندَّعي وضع معايير تتيح تحديد "العنف الحسن"، فينتهز كلُّ أحد فرصةَ الاستئثار بهذه المعايير لتبرير عنفه هو. العنف، في جوهره، نفي. وكل إظهار للعنف، مهما تكن درجتُه ونيتُه، وحتى وإنْ لم يبلغ بالحركة التي يكوِّنها أقصاها، يساهم في سيرورة قتل، سيرورة حُكْم بالموت. قد لا يتم الشروع في التنفيذ بالضرورة، لكن المقصد الأخير من العنف هو دومًا إماتة الآخر، إقصاؤه، إلغاؤه، وإفناؤه. كل عنف هو اعتداء يُرتكَب ضد إنسانية الإنسان الآخر.

الإسكات يعني أصلاً اقتراف العنف؛ حرمان الإنسان من كلامه يعني سلفًا حرمانه من الوجود. والعَنَف faire violence يعني الإيذاء faire du mal، يعني سوء الفعل mal faire والإيلام faire mal. العَنَف يعني التعذيب. كثيرة أشكال العنف وكثيرة أشكال الإماتة: من الإذلال إلى التعذيب، ومن الاحتقار إلى القتل. إن النَّيل من كرامة إنسانية الإنسان يعني سلفًا النَّيل من حياته. والعَنَف يعني أيضًا جرحَ المرء نفسَه: فالعُنف يجرِّح أولاً إنسانيةَ مَن يمارسه ويبرِّح بها؛ إنه، بأدق المعاني، يلغيها. العَنَف يعني، قبل كل شيء، عَنَفَ المرء بنفسه. (وهذا هو المعنى الوحيد الذي يمكن أن تحمله عبارة "عَنَف بنفسه" se faire violence؛ فهي مرفوضة عندما تعني إكراهَ المرء نفسَه على قمع أهوائه. إذ ينبغي لهذه السيطرة أن تتم دون ممارسة أدنى عنف في حقِّ النفس.) وتحرير الإنسانية من العنف يعني، في الوقت نفسه، تحرير العنيفين والمعنَّف بهم من عنفهم، يعني في الوقت نفسه، تحرير المستبِدِّين والمستبَدِّ بهم، لأن العنيفين أنفسهم يستبد عنفُهم بهم.

إن مواقف الظلم التي تستبقي كائناتٍ بشريةً في شروط استلاب واستبداد تشكِّل هي الأخرى أعمال عنف مخصوصة تُسمَّى بـ"أعمال العنف البنيوية" violences structurelles.

لا يجوز الكلام على "العنف" وكأنه موجود بذاته وسط البشر، "خارجهم" على نحو ما، وكأنه يعمل بدفع ذاتي. ففي الواقع، لا يوجد العنف ولا يعمل إلا عِبْرَ الإنسان؛ فالإنسان دومًا هو المسئول عن العنف. أجل، إن الموت موجود في كلِّ مكان من الطبيعة، ولكن القتل يختص به الإنسانُ وحده. الطبيعة تدمِّر وتقتل، لكنها لا تدري أنها تفعل. فهي، بمعنى ما، بريئة من الموت الذي تُسبِّبه. يمكن للحجر الساقط أن يقتل إنسانًا، لكنه لا يريد ذلك، لا يبيِّت نيَّة لذلك، ولا يعي ما يفعل. الكوارث الطبيعية مميتة، لكنها غير مجرمة. يجوز الكلام على "القوة" المدمِّرة لزلزال، لكنْ ليس عن "عنفه" القاتل. الأسد يقتل الظبية، لكنه غير مسئول عن قتلها؛ ولا ينعته بـ"العنيف" إلا الإنسانُ الذي يخالف، بتفكيره، قوانين الطبيعة. إن الماء نفسه، الذي هو أحد مصادر الحياة الرئيسية والذي غالبًا ما يكون مفيدًا للإنسان، سواء كان من السماء أم من البحر، يمكن له أن يقتل؛ لكن من الحماقة ادِّعاءَ أن الماء يمكن له أن يكون "شريرًا" وأنه يصير عندئذٍ "عنيفًا". والأمر نفسه ينطبق على النار.

لذا سنمتنع عن الكلام على "عنف الطبيعة"، وسنتخلى عن هذه السفسطة التي تريد تأكيد أن العنف موجود في الإنسان مثلما هو موجود في كلِّ مكان من الطبيعة. فمثلُ هذه المحاكمة العقلية ليس لها من نتيجة سوى ابتذال العنف وتحتيمه. وفي خُبث، نتوصل إلى قضية مُفادها أن "العنف قانون الطبيعة"، بما يجعل العنفَ قضاءً مبرمًا. وحده الإنسان حيوان قاتل، لأنه وحده عاقل. فهو وحده يقتل ابنَ جنسه عامدًا متعمدًا. العنف ملَكة تختص بها الإرادةُ البشرية وحدها: وحده الإنسان يقتل باختياره؛ وهو وحده يختص بالقدرة على إضمار هدف القتل العَمْد. علاوةً على ذلك، يشكِّل البشر النوعَ الحيواني الوحيد الذي لا يتورع أفرادُه عن الاقتتال في مجازرَ جماعية.

عندما يتفكر الإنسانُ الواعي في عنف يواجهه، يكابد الشعور باللامبرَّر. أعمال العنف موجودة، لكن الإنسان المتبصِّر يؤكد تأكيدًا جازمًا بأنها لا يجوز أن توجد، حتى قبل أن يستطيع معرفة ما يجب أن يوجد. فهذه الأعمال تُقترَف بما ينتهك المقاييس الأخلاقية القائمة عمومًا؛ إنها تكدِّر الحساسية الإنسانية، ولكنها تبدي، خصوصًا، تناقضًا أكثر جذرية وأقل قابلية للحل بكثير: فهي تشهد على فراق لا رجعة فيه بين فرائض الإنسان الروحية وبين انحطاط العالم. إن شعورَ الإنسان باللامبرَّر حيال الشرور التي تبرِّح بإنسانية الإنسان الآخر هو بالضبط ما يكشف له عن حقيقة فرائضه الروحية وعن قوَّتها. فمعرفة العنف تعني الاعتراف به كجريمة ضد الإنسانية؛ معرفة العنف تعني أكثرَ من مجرد اتِّقائه: إنها تعني احتقاره.

يقرر الإنسانُ طالبُ الحكمة رفضَ التحالف مع العنف الذي يشوِّه وجهَ الإنسان الآخر، وذلك بدءًا من رفض جميع المبررات التي تدَّعي شرعنته. "لاءُ" العقل هذه، "لاءُ" الضمير والقلب التي يواجه بها الإنسانُ العنف، تؤسِّس للخيار الـ"لا"عنفي الذي يصمم عليه. إذ إن ما هو مرفوض أكثر من العنف هو شَرْعَنته. إن إيديولوجيا العنف، بقدر ما تهتم قبل كل شيء بجعل العنف حقًّا للإنسان، لا تأخذ بالحسبان معاناةَ الإنسان ضحيةِ العنف ولا هدر العنيف إنسانيتَه. فإذا كان ينبغي بذلُ هذه المشقة كلِّها لتبرير العنف فذلك تحديدًا لأنه غير قابل للتبرير. فلا أحد يفكر في وجوب تبرير الطيبة.

إذا كانت العدوانية والقوة اللتان تمارَسان في الصراع تتيحان تسويةَ régler النزاع، فإن العنف، على العكس، يؤدي إلى اختلال dé-règlement النزاع. فالعنف يعطل سير النزاع ولا يتيح له استمرار القيام بوظيفته، بما هي توطيد علاقات عادلة بين الخصوم. وفي المحصلة، فإن العنف ليس الحل، بل المشكلة. غير أن همَّ التخفيف من معاناة الآخرين وإيقافها ما أمكن قد يجعل من الضروري، في حالات حدِّية معينة، استخدامَ وسائل العنف استخدامًا متأنيًا ومضبوطًا ومحدودًا، بوصفه إذ ذاك "أهون الشرور". لكن هذا لا يصيِّر العنفَ حسنًا. فالضرورة لا تساوي الشرعية.

ينبغي ألا يُرى في العنف تعبيرًا عن حتمية ما. فإذا ما اتفق للبشر أن يلجئوا بهذا التكرار إلى العنف دفاعًا عن النظام القائم عندما يكفل الحرية، أو مكافحةً للفوضى القائمة عندما تُبقي على الاستبداد، فلأنهم كانوا يظنون أنهم يعدَمون وسائل أخرى. وللفريضة الأخلاقية التي تدحض العنف الحظوظُ كلها في أن تُستبعَد مادام العنفُ يبدو ضروريًّا لفعالية العمل. من هنا لا يستحق العنف إدانةً فحسب، بل يستدعي بديلاً. فمن الضروري التفتيش عن "معادِلات وظيفية" للعنف. والفريضة الأخلاقية تنضم هنا إلى الواقعية السياسية لتأسيس البحث عن وسائل تتيح حلَّ النزاعات البشرية المحتومة حلاًّ إنسانيًّا بوسائل أخرى غير وسائل العنف المدمِّر والقاتل. وهاهنا يكمن التحدي الحقيقي للاَّعنف